
كوبَ شايٍ أحمرٍ قاني .. سيجارة بين إصبعيّ حزني .. وثلة من الألم ..
كان الوقتُ الصُبحي لي يسهر كثيراً في الليل ، كان يبداُ حاملاً قلمي الهرم ودفتري الأزرقَ الحزين ، وحاسوبي المنكسر الشاشة من أسفل زاويته اليمنى ، وأنا أمررُ عيناي في الفجرِ المنكسر من أوكسيجينية اللحظة ، وفي شالي البرتقالي من يتدلى بنهاية لا أذكرها ، وبعثرة أحذية ملونة ، وكسرة خبز نسيتها حين سقطت ، فما عادت صالحة حتى للموت ..
أريدُ أن أرسل رسائل لكل المستيقظين معي في لحظة الفجر .. كل الأصدقاء ، والغرباء ، والعاهرات ، والآباء ، والعجائز ، والأطفال الخُدّج ، والموتى حتى تفشل يداي ..
أريدُ أن أكسر كل غرورٍ ظاهري ، وأن أشعل كل قناديل العالم ، وأمد يدي بحلاوة إلى طفل لقيط في الشارع فيحتفظ بقرطاستها في حفرة تحت أرضه الرطبه كي لا ينسى شكل الفرح الذي ربما لن يأتي .. أريدُ أن أسمع بكائاً لا ينقطع دون أن أفعل شيئاً غير أن أردد “يالله” ..
أريدُ أن ألتقط صورة ليلية لحبيبن فوق جسر المنفى تحتهما أضواء السيارات وألوان ملابسهما لا تفنى ..
أريدُ أن أحول كل الأشياء الدائرية إلى مسارات لا تنتهي .. ولا تعود إلى نقطتها الأولى ..
أريدُ أن أقولَ “نعم” لكل الحياة
نعم لليل للصبحِ للمساء .. نعم أقطع بها تكرار الثواني ، وغياب ما ذهب ، وخوف من ما بقى ..
نعم أجيبها على كل خيارات الصدف الجميلة ، نعم أبقى بها ، نعم أضحك ، نعم أعيش غداً لأن غداً يحمل نعم أخرى دوماً ..
يا كل الأمنيات الخرافية .. نعم
يا أيتها الأحلام الضوئية .. نعم
نعم .. أيتها الـ لا الجديدة .. نعم
أفتحُ الشُباك ، أعلقُ زهرة طرية به ، وألبس شجرة برتقال وأنا أدخل إلى الخارج ..
معطفي الأبيض الذي يتعلق بذاكرة لم تأتي إلى “الصين” ، يحمل جيبان ، في أحدهما جِِراب فيه نَعم كثيرة ..
ينفتحُ المصعد ، تشاركني فيه فتاة أراها “روسية” لكنهم يقولون أنها “تركية” ، ملابسها التي تختلف جداً عن ما أنشئته الفتيات بمقاييس باهتة ، يجعلها تلتفت للأسفل أو تشردُ في إلتحام عمودي باب المصعد ، وكل ما يجمعني بها إبتسامة و good morning و خطوات في الممشى نحو المحاضرة نفسها كل صباح ..
الشيء الوحيد الذي أريد أن أهديها إياه هو “نعم” تقولها بلا إكتراث لأعينهن المقتناة من إعياء الثرثرة بهن .. وتمضي بشعرها الأشقر الطويل المموج في الممشى ..
لا أنسى الرسالة الأسبوعية لأختي : “خاطري أمسك سيجارة .. وأدخن” لتعرف طقسي المنعزل الكئيب ، حتى تتصل ، ونبدأ في الضحك ، إلى أن تسرقني زحامات الكُلية ، أو يمرَ مديرها .. لا أدري هل لاحظت أن الأسبوع هذا يكادُ ينتهي وأنا ما سحبتُ سيجارة وتمنيتُ أن أسقُطَ من الدورِ الرابع الذي أقطنُ فيه ؟ .. أم أنها أدركت بالدم المشترك بيننا ورسائلي الوهمية أنني أزرعُ شجرة “نعم” في داخلي لسؤالها المتكرر : “هل ستستمرين؟” لأقول ” أكيد .. نعم” ؟
اشتقتها .. واشتقتُ أخوتي الذين لم أرهم منذُ شهر ونصف .. اشتقتُ حاجبي أمي .. وطمئنينتي منذُ جائني خبر صوتها في نية ذهابها للحج ..اشتقتُ “نعم” أقولها لها بسؤال أو لا سؤال يصدرُ منها..
ونعم سأراهم
نعم اليوم سأكفر نوماً .. وأكفرُ كتابة .. وفيلماً وثرثرة ورواية وفجراً وموتاً و”نَعماً”
ألتقي “ورد” صديقتي السعودية الأمينة الشفافة جداً ..
- صفاء
- نعم
- ………. فتطول الجدران ولا نتوقف حكياً عميقاً عن كل شيء جميل ، أخبرها عن النعم ، فتقول
- صفاء أنتِ معجزة
- ورد .. كلنا معجزات .. كونكِ الشخص الوحيد من بين 5 ملايين خلية كانت محتملة لتكون أخوتك … أنتِ من بقيتي .. كم عدد أخوتك يا ورد؟
- 6 أخوات .. و3 أخوة
- كان من الممكن لولا حكمة الرب أن يكون لكِ 45 مليون أخ و أخت .. لما كان كفانا الطعام ولا النوم ولا الهواء ولا حتى المقابر والموت ، نِعم الله كثيرة يا ورد
يخلقنا الله .. لنكون (نَعم) .. لكننا ما زلنا نردد (لا) للحياة بكسلٍ وبرود غريب
أنا الآن أخرج حقيبة الـ “نعم” من جيب قلبي
تعالوا .. ليلتقط كل واحدٍ منكم بذرة “نعم” .. ويزرعها في قلبه